محمد سعيد رمضان البوطي
173
فقه السيرة ( البوطي )
والظروف ، ويعم الواجب في ذلك المسلمين والمسلمات كافة بشرط الحاجة وتوفر مقومات التكليف . ثم إن الصحيح الذي اتفق عليه عامة الفقهاء أن هذه الشورى مشروعة ولكنها ليست بملزمة ، أي إن على الحاكم المسلم أن يستنير بها في بحثه ورأيه ، ولكن ليس عليه أن يأخذ بآراء الأكثرية مثلا لو خالفوه في رأيه . . ويقول القرطبي في هذا : « المستشير ينظر في اختلاف الآراء ، وينظر أقربها إلى الكتاب والسنة إن أمكنه ، فإذا أرشده اللّه تعالى إلى ما شاء منها عزم عليه ، وأنفذه متوكلا عليه » « 1 » . 3 - ولا شك أن الباحث ليتساءل : لماذا لم يقع جواب أبي بكر وعمر والمقداد موقعا كافيا من نفس الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وظل ينظر في وجوه القوم ، حتى إذا تكلم سعد بن معاذ اطمأن وطابت نفسه عند ذاك ؟ . والجواب : أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما كان يريد أن يعرف رأي الأنصار أنفسهم في ذلك الأمر : ترى هل سيصدرون في آرائهم وأحكامهم عن المعاهدة التي تمت بينهم وبينه عليه الصلاة والسلام من حيث إنها معاهدة خاصة تستوجب الالتزام بها ، وإذا فليس من حقه أن يجبرهم على القتال معه والدفاع عنه إلا في داخل المدينة كما تنص على ذلك المعاهدة ، أو سيصدرون عن مشاعرهم الإسلامية ومعاهدتهم الكبرى مع اللّه تعالى ؟ وإذا فمن حق النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أن يكون الأمين فيهم على هذه المعاهدة ومن واجبهم أن يبذلوا حقوق هذه المعاهدة ويقوموا بمسؤولياتها كاملة . ولدى التأمل فيما أجاب به سعد بن معاذ ، نعلم أن المبايعة التي ارتبط بها الأنصار مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مكة قبل الهجرة ، لم تكن إلا مبايعة مع اللّه تعالى . ولم يكونوا يتصورون وهم يلتزمون الدفاع عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حينما يهاجر إليهم إلا دفاعا عن دين اللّه تعالى وشريعته ، فليست القضية مسألة نصوص معينة اتفقوا مع رسول اللّه عليها فهم لا يريدون أن يلتزموا بما وراءها ، وإنما المسألة أنهم إنما وقّعوا بذلك تحت صك عظيم تضمن قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ . . . [ التوبة : 111 ] . ولذلك كان جواب سعد رضي اللّه عنه : لقد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت
--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن : 4 / 252 .